الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

52

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمؤمنون . وفيه تعريض بتذكير الكفار بحال حلول المصائب بهم لعلهم يتذكرون ، فيعدوا عدة الخوف من حلول النقمة التي أنذرهم بها في قوله فَانْتَظِرُوا [ يونس : 20 ] كما في الحديث : « تعرّف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة » . فالمراد ب النَّاسَ الناس المعهودون المتحدث عنهم بقرينة السياق على الوجهين المتقدمين في قوله تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ [ يونس : 12 ] . وقد قيل : إن الآية تشير إلى ما أصاب قريشا من القحط سبع سنين بدعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم كشف اللّه عنهم القحط وأنزل عليهم المطر ، فلما حيوا طفقوا يطعنون في آيات اللّه ويعادون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويكيدون له . والقحط الذي أصاب قريشا هو المذكور في سورة الدخان . وقد أنذروا فيها بالبطشة الكبرى . وقال ابن عباس : هي بطشة يوم بدر . فتكون هذه الآية قد نزلت بعد انقراض السبع السنين التي هي كسني يوسف وبعد أن حيوا ، فتكون قد نزلت بعد سنة عشر من البعثة أو سنة إحدى عشرة . والإذاقة : مستعملة في مطلق الإدراك استعارة أو مجازا ، كما تقدم في قوله : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ في سورة العقود [ 95 ] . والرحمة : هنا مطلقة على أثر الرحمة ، وهو النعمة والنفع ، كقوله : وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [ الشورى : 28 ] . والضراء : الضر . والمس : مستعمل في الإصابة . والمعنى إذا نالت الناس نعمة بعد الضر ، كالمطر بعد القحط ، والأمن بعد الخوف ، والصحة بعد المرض . و ( إذا ) في قوله : إِذا لَهُمْ مَكْرٌ للمفاجأة ، وهي رابطة لجواب ( إذا ) الشرطية لوقوعه جملة اسمية وهي لا تصلح للاتصال بإذا الشرطية التي تلازمها الأفعال إن وقعت ظرفا ثم إن وقعت شرطا فلا تصلح لأن تكون جوابا لها ، فلذلك أدخل على جملة الجواب حرف ( إذا ) الفجائية ، لأن حرف المفاجأة يدل على البدار والإسراع بمضمون الجملة ، فيفيد مفاد فاء التعقيب التي يؤتى بها الربط جواب الشرط بشرطه ، فإذا جاء حرف المفاجأة أغنى عنها . والمكر : حقيقته إخفاء الإضرار وإبرازه في صورة المسألة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ في سورة آل عمران [ 54 ] . و ( في ) من قوله : فِي آياتِنا للظرفية المجازية المراد منها الملابسة ، أي مكرهم